الثلاثاء، 17 نوفمبر، 2009

الغبش-غرب بربر) و (مجاذيب الدامر) وآثارهم المخطوطة

نار القرآن عند (الغبش-غرب بربر) و (مجاذيب الدامر) وآثارهم المخطوطة تكتسب الدراسة اهميتها من اهمية الموضوع ؛ فالوثائق الخاصة التى بحوزة الأفراد والمؤسسات الأهلية تمثل جزء مهم من ذاكرة الوطن القومية ، كما تعتبر مصادر فريدة ونادرة يتعذر الوصول اليها ناهيك عن الحصول عليها، وهى نتاج نشاطات طوائف وجماعات و كيانات اجتماعبة كان لها دورها البارز وأثرها البالغ فى الحياة الاجتماعية والسياسية و الاقتصادية فى تاريخ السودان القريب والبعيد، الأمر الذى يجعل توثيقها وإتاحتها للبحث العلمي خطوة مهمة فى طريق إعادة قراءة التاريخ القومي. فقد درج الأهالي على إيداع كثير من أشيائهم الثمينة والمهمة خزانة المسيد (المدرسة القرآنية) ، ثقة منهم فى هذه الأماكن الطاهرة ، التى تضمخت بأريج القرآن (الطيب، 1991م :23) ، ومن تلك الأشياء الثمينة ؛ ماهو ناتج النشاط البشرى خلال الحياة اليومية كتصرفات الأحوال الشخصية ، وما ينتج عنها من وثائق ، مثل تمليك الاراضى والهبة والميراث والمهر والبيع والشراء ووثائق النسب ، هذا بالإضافة للوثائق الديوانية الواردة من السلطة الزمنية فى ذلك الاوان . ومنها ما هو ناتج النشاط الفكرى مثل المخطوطات التى تشتمل مختلف فروع علوم الدين الإسلامى كالفقة والعقائد والسيرة . وعلوم العربية ، بالإضافة إلى كتابة المصاحف وما يتبعها من زخارف. ومن أوائل الأماكن التي أوقدت فيها نار القرآن ، مسيد المجاذيب بالدامر ، الذين كانت لهم مكتبة شهيرة فقدت مع من فقد من البشر جراء الحروب. فقد تواترت أقوال المؤرخين على اهمية و حيوية النهضة الثقافية التى ازدهرت فى هذه المنطقة ؛ يذكر المؤرخ السويسرى بوركهارت الذى اقام بمدينة الدامر... "لم تكن المكانة التى احتلتها الدامر و جزبت إليها الانظار فحسب بل لأنها صارت كعبة يؤمها الطلاب من كل مكان..و قد حوت مكتباتها مؤلفات من القاهرة و الحجاز... " (بوركهارت ، 1959م). اما هولت فيقول "... كان أشهر مركز لتدريس الدين مدينة الدامر حيث اسست اسرة المجاذيب ما يمكن أن يسمى جامعة إسلامية, كان طلابها على اتصال دائم بمراكز العلم الشهيرة فى القاهرة و الحجاز" (ب.م.هولت ، 1986م) ومن الغرائب والطراف أن توجد مخطوطة من ثلاثة أجزاء للشيخ مجذوب بن الطاهر المجذوب بدار الوثائق الفرنسية و لا يعرف كيف شق هذا المخطوط طريقه إلى هناك. كما بلغت مدرسة الغبش غربى بربر درجة مماثلة من الشهرة والمكانة ، حيث بلغ عدد طلابها فى مرحلة من المراحل ألف طالب من داخل وخارج البلاد. وتمتاز مدرسة الغبش عن غيرها من المدارس الدينية بالسودان برسوخ قدمها وتخصصها في معرفة علوم القرآن ، فأكثر ما عرف من الآثار الخطية فى هذا العلم يكاد أن يكون حكرا على علماء هذه المدرسة العريقة، ونذكر منهم على سبيل المثال :الشيخ عبد الرحمن الأغبش وهو أغزرهم تصنيفا ، ومن مؤلفاته (شرح مورد الظمآن المسمى عمدة البيان فى رسم القرآن) و(مصباح الدجى فى ضبط الهجاء) للخرازى و(نظم الهداية) و(تحفة المدات) وغيرها ، ومنهم الدنفاسى وهو من أعلام علم القراءات الذين تتلمذوا على يد الشيخ عبد الرحمن الاغبش وله المنظومة الشهيره فى التجويد الموسومة بـ (المرسوم و المعدود من القرآن من فن التجويد و احكام الهمزات) و منهم حمد ود مدلول و له (سلم المريد) وغيرهم . وقد حازت مدرستي الغبش و المجاذيب قصب السبق فى ايقاد نار القرآن فى السودان و اسهمتا فى وضع اللبنات الأولى فى تكوين الشخصية السودانية، أورد تريمنجهام فى مقدمة كتابه الإسلام فى السودان " هناك عامل داخلى كبير اصبح يشكل حياة السودانى الشمالى ، إنه التاثيرالمتواصل لتلك الرقعة الكبيرة التى تقع شرقى البحر الاحمر، لقد ارسلت الجزيرة العربية شعبها و لغتهم و دينهم .. و فوق ذلك النظام الثقافى (الإسلام) الذي له عظيم الأثرعلى سيكولوجية الشعب و مهد دينهم وأفكارهم الاجتماعية فى وحدة تثير تعجبا وإعجابا" ( تريمنجهام، 2001م: 10) وعلى الرغم من ما مر سابقا من مصادر مهمة تشير إلى تأثير هاتين المدرستين المباشر وغير المباشر على مسرح الحياة فى السودان إلا إن الاهتمام بمصادر دراسات هذه المدارس لا يتناسب و ما قامت به من دور رائد .

التراث السودانى المخطوط

التراث السودانى المخطوط

يعبر التراث عن شخصية الأمة ، ويساعد على معرفة مدى إسهامها الفكري ، وهو رابط للماضى بالحاضر كما يعتبر أيضاً معبراً و جسراً جيداً نحو المستقبل. ويتكون التراث السوداني الذي نحن بصدد الحديث عنه من جزئين : الجزء الأول هو ناتج النشاط البشرى الذى صور واقع الحياة اليومية فى شكل التصرفات الحياتية ؛ و انتج تراث خطى فى شكل وثائق الأحوال الشخصية ؛ الترجمة الحقيقية للإنتاج الفكرى الفقهى المدون ، مثل معاملات البيع و الشراء و المداينات النكاح و الصداق و الطلاق و الإجارة و ما إلى ذلك من التصرفات ، بالإضافة إلى الوثائق الديوانية التى انتجتها دواوين السلطنات الإسلامية المتعاقبة (الفُونج و الفور و المهدية) .
أمّا الجزء الثاني فهو ناتج النشاط الفكرى ، الذى يتمثل فى المؤلفات والمصنفات فى شتى ضروب المعرفة ؛ وإن كان الاعتماد والتركيز فيها اتجه إلى علوم الدين الإسلامى واللغة العربية - لدواعى و حاجات علمية وعملية معتبرة - إلا أنه عكس واقع الحياة الفكرية وعبر عن منظورها الحضارى ، وقد اتضحت اهميتة فى خصوصية المكان و الزمان بتلبية حاجات العصر وثقافته ، والتى ظهرت عبر مستوى العلماء الذين تجاوزوا مراحل النقل المجرد و الشرح و الاختصار الى مراحل التأليف الاصيل الذى اخرج نماذج فريده اتصفت ببعض سمات وملامح خاصة و متميزة فى الأدب السوداني المخطوط .
أمّا كيف و متى نشأ هذا التراث؟ و المراحل و التطورات التى مر بها ، فتشير المصادر التاريخية الوطنية و الاجنبية، أن البداية كانت من الشمال ، حيث تعتبر مناطق دنقلا و ديار الشايقية منابع اصيلة للتراث العربى المخطوط - من الصعب فصل دنقلا عن مناطق الشايقية تاريخيا – فقد كانت من اسبق المناطق استقبالا لعلوم القرآن و الفقه، و قد اشتهر من علمائها محمد بن عيسى سوار الذهب ، لاغرو فالمنطقة شهدت بداية الحركة العلمية بقدوم غلام الله بن عائد ثم احفاده اولاد جابر ومدارسهم الشهيره ؛ يذكر بوركهارت ان كل العلوم الاسلامية عدا الفلك والرياضيات كانت تدرس فى مدارس الشايقية ، و هى دلالة واضحة على ثراء تلك المنطقة من التراث الخطى، بيد أن التركيز انصب على علوم القرآن التى نبغ فيها الغُبش ، وإذا اتجهنا صوب الجنوب نجد ولاية نهر النيل الحالية ، والتى اصبحت من أكثر المناطق ثراء وغزارة بالتراث الخطى لتعدد علمائها ومراكزها العلمية ، وتقف على راسها مدينتى بربر و الدامر اللتان لا تكتمل خطة البحث عن التراث المخطوط إلا بهما ، بالاضافة الى مدينة شندى وقوز العلم . أما الخرطوم الكبرى التى تضم منطقة الحلفاية حاضرة العبدلاب والصبابى وجزيرة توتى فقد شهدت ازدهارا ثقافيا منقع النظير و بلغت شاوا كبيرا وقدرا واسعا فى وفادة العلماء الذين بلغت شهرتهم الافاق ، وكذلك منطقة الجزيرة والنيل الابيض ومنطقة سنار حاضرة الديار الفنجية التى ارتبطت مراكز العلم فيها بالطرق الصوفية ، فقد نالت حظا وافرا وقدرا كبيرا من التراث المخطوط بحكم البيئة الصوفية التى اسسها المشايخ ، وباركها السلاطين الذين لعبوا دورا بارزا فى إكرام العلماء و المشايخ الذين وفدوا على البلاد من المشرق والمغرب .هذا بالاضافة الى المناطق الغربية (دار فور) التي نالت حظا لا يقل عن ذلك الذى سبق ذكره.
ومن يراجع الآثار والمصادر التاريخية (مثل طبقات ود ضيف الله ) يسترعى انتباهه تراث خطى كبيريقف شاهدا على عظمة و سعة علم هؤلاء العلماء وما خلفوه من آثار؛ وتكفى الإشاره فى هذا المقام الى أحد المصادر التى تحكى عن علَم من أعلام السودان فى ذلك الزمان ، فقد وردت الإشارة من أحد علماء الحرم المكى مثابة المسلمين وقبلتهم ، يذكر فيها العلامة السودانى (عبد اللطيف الخطيب عمار) بعبارة " عالم الديار السودانية و علاّمة الاقطار الإسلامية" (يحيى ، 2001م) و مما يوّسف له لم يقف المؤرخون على أي من آثاره الخطية !؟
والسؤال الذي يفرض نفسه أين انتهت رحلة تلك المؤلفات وإلى اين انتهى بها المطاف ؟ و هل منها ما قاوم عوادى الزمان و بقيت إلى الآن بصورتها أو مع تقادم نسبى فى وضعها المادى؟ بالتأكيد بعضها مازال باقيا و قدر كبير منها تعرض للتلف والضياع بعامل التقادم الطبيعى أو بسبب سوء الحفظ أو بفعل الكوارث والحروب ومنها ما هو مجهول ، والبعض الآخر بأيدي الأفراد و الأسرالتى تضن به دون وعى أو إدراك لخطورة سوء الحفظ والتقادم الطبيعي ؛ ومحنة التراث السوداني المخطوط لا تقف عند هذا الحد ؛ فبالاضافة الى أنه متناثر وغير معروف في غياب فهارس ومسوحات حقلية ؛ تتفاقم احنه ومآسيه وغربته وسط قصور التشريعات الارشيفية الحاسمة ، وامكانات الجهات الرسمية الراعية التى يتاح لها جمعه وتوثيقه ، والآن أصبحت الفرصة سانحة لوضع حد لمآسى هذا التراث ومعاناته على يد وسيمة العصر ومعجزة الزمان "تكنولوجيا المعلومات والاتصالات" . تركز هذه الدراسة على الحفظ الرقمى باستعراض المشاريع الرقمية العالمية التى انطوت على مهارات عالية وتضمنت خبرات ثرة وتجارب رائدة تهيأت لها كل أسباب النجاح ، فقطفت ثمار التجارب التقنية العالمية اليانعة ، وتعول الدراسة على الافادة منها فى شكل متطلبات عمليات الحفظ الرقمى وأسبقياتها من الأدوات والبرمجيات والخطط والخطوات الإرشادية السابقة واللاحقة لعملية الرقمنة ؛ فى مشروع طموح ، تأمل ان تشمل الاستفادة منه ليس فقط الارشيفات الخاصة بل يشمل الارشيفات و الوثائق التى تدخل تحت مظلة السلطة الارشيفية القومية. فالمحفوظ من التراث الخطى بمراكز الارشيف والمكتبات ليس بأوفر حظا مما عند الأفراد والمؤسسات الأهلية ، فمازال ينتظر المعالجات التقنية حتى يمكن حمايته والاستفاده منه

الأربعاء، 8 أكتوبر، 2008

الاتصل العلمى فى الحضارة الاسلامية

مؤسسات الثقافة والاتصال الفكري في المجتمع الاسلامي معتصم الحاج عوض الكريم Mutasimaj0@gmail.com ملكنا فكان العفو منا سجية *** فلما ملكتم سأل بالدم أبطـح وما عجب هذا التفاوت بيننا *** فكل إنا بالذي فيه ينضــح ليس أدل على رقي الأمة وجدارتها بالحياة واستحقاقها لقيادة العالم من سمو النزعة الإنسانية في أفرادها سمواً يفوض بالخير والبر والرحمة على طبقات المجتمع كافة ، بل على كل من يعيش على الأرض من إنسان وحيوان . بمثل هذا المقياس تخلد حضارات الأمم ، وبآثارها في هذا السبيل يفاضل بين الحضارات . ( السباعي ، د.ت : 172 ) . بلغت الأمة الإسلامية الذروة التي لم يصلها شعب على الإطلاق ، ولم تلحقها من بعدها أمة حتى الآن في مجال البر ونفع الناس ، وكان رائدها في ذلك الخير المحض ابتغاء مرضاة الله . فقد نادى الإسلام بالدعوة إلى الخير نداءً تنهزم معه في النفس الإنسانية بواعث الشح ونوازع الحرص والشره ، ووسوسة الشيطان في التخويف من الفقر والعوز . يقول المولى عز وجل : (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ)( البقرة 268) . يشمل ذلك النداء حتى الفقراء الذين فتح الإسلام لهم أبواب الإنفاق ولم يحرمهم متعة العطاء ، في أسمى المعاني التي حفل بها القرآن الكريم ، والسنة النبوية المشرفة بفعل الخيرات باليد والقلب واللسان ، بحيث لا نجد في المجتمع من لا يستطيع أن يجود في ميادين البر والخير و من أقواله صلى الله عليه وسلم فى ذلك : " أن لك بكل تسبيحه صدقه ... وأمر بالمعروف صدقة ... وتميط الأذى عن الطريق وتعين الرجل على دابته فتحمله عليها أو تحمل له عليها متاعه صدقة والكلمة الطيبة صدقة وتبسمك في وجه أخيك صدقة ... بل وفي بضع أحدكم صدقة..." (مسلم ، د.ت :2/697) مما جعل المجتمع الإسلامي يمتلئ بالمؤسسات الخيرية ، التي بلغت من الكثرة حداً يصعب إحصاؤه أو الإحاطة به ، فقد أحصى الدكتور السباعي حوالي ثلاثين نوعاً من المؤسسات الخيرية (السباعي ، د.ت : 173 ) منها الذي تنشاه الدولة وتنفق عليه ومنها مؤسسات ينشؤها الأفراد من الأمراء والقواد والأثرياء ، فما تلك المؤسسات وكيف نمت و تطورت في مسيرة الدولة الإسلامية؟ رغم أن هنالك تداخلاً كبير في وظيفة هذه المؤسسات إلا أننا سوف نقوم بتوزيعها على أربعة مجموعات كالآتي : 1/ مؤسسات التمويل والرعاية الاجتماعية . 2/ مؤسسات الإعلام والتربية . 3/ مؤسسات التعليم والثقافة . 4/ مؤسسات النشر والترجمة . مؤسسات التمويل والرعاية الاجتماعية ( الوقف الإسلامي ) : مثلت مؤسسة الوقف في ظل الحضارة الإسلامية تجسيداً حياً ، وتطبيقاً عملياً لقيم السماحة والعطاء والتضامن الاجتماعي ورعاية الحقوق والإنفاق في وجوه البر ، وكانت مورداً قاراً يفيض بالخير على كثير من المؤسسات والمرافق الاجتماعية والثقافية ( أبو زيد ، 2004 : 329 ) فلم تدع فئة في المجتمع تفتقر إلى العون إلا شملتها بالعناية ، مما اضطر الحكومات المتعاقبة إلى تكوين ما يسمى بدواوين الأوقاف والأحباس ، ولذلك عنى الفقه الإسلامي بهذه المؤسسة عناية فائقة وأولاها اهتماما كبيراً ، وسن لها التشريعات اللازمة للمحافظة على بقائها واستمرارها ، فوضع لها الأسس والقواعد والضمانات المتينة . والمتتبع لتاريخ الوقف ومؤسساته يقف وقفة إجلال وإعجاب أمام فضلها الكبير في تشيد صرح الحضارة الإسلامية ، ذلك أنها وفرت المال اللازم للإبداع والقوة المادية والمعنوية ، بقيام أنشطة متعددة ، غطت أوجه الحياة المختلفة ، حيث قامت هذه المؤسسة في الماضي بالدور الذي تقوم به وزارات التعليم والثقافة ، بإنشاء المدارس وتشجيع البحث العلمي ، وتشييد المكتبات ، ودعم العلماء ورعاية الطلاب ... الخ . وبفضل الرعاية التامة للمؤسسات الخيرية وأعمال البر التي تدرها أموال الوقف والتي تعبر عن روح التضامن الذي غرسه الإسلام م في النفوس وجعله من أهم مرتكزات نظامه الاجتماعي ، كان الوقف حجر الأساس الذي قامت عليه كل المؤسسات الخيرية في تاريخ الإسلام ، وأول من بدأ ذلك المشروع هو معلم البشرية رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم قولاً وعملاً فعلى سبيل المثال أوقف سبع بساتين على الفقراء والمساكين وقال عليه الصلاة والسلام أن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً نشره أو ولداً صالحاً تركه أو مصحفاً ورثه أو مسجداً بناه أو بيتاً لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته ( ابن ماجه ، د.ت :1/88) فنظام الوقف بطبيعته يضمن استمرار التمويل والدعم لأي نشاط إنساني يوقف عليه ، وهو صيغة تناسب الأنشطة الثقافية والعلمية ، ويؤكد المستشرق الفرنسي ( سيديو ) طبيعة الروح العلمية المتميزة بالفكر التجريبي في البحث العلمي في مدارس بغداد ، التي نمت وترعرعت من أموال الوقف ( الصريح ، 2004 : 24 ) . وإذا أردنا أن نقف على فضل الوقف ودوره الكبير فى رفد الحركة العلمية في المجتمع الإسلامي ، فسنقابل بكم هائل من المدارس ، والمراكز العلمية ، والمكتبات في سائر البلاد الإسلامية ، بحيث يبدو أن تلك المؤسسات ما كان لها أن تقوم بذلك الدور لولا الأوقاف ، ومن ذلك يتضح أن الحركة العلمية التي شهدتها الأمصار الإسلامية إنما هي ثمرة من ثمرات ازدهار الأوقاف وكثرتها ولم يقتصر دور الوقف على رفد المدارس وإمدادها بالموارد المادية فقط بل امتد إلى التوجيه التربوي ، والتدخل في توجيه العملية التعليمية ، بتعيين العلوم التي يجب أن تدرس ، والمقاييس والمؤهلات العلمية الواجب توفرها فيمن يتولى تدريس تلك المواد ، وتعتبر الوثائق الوقفية التي تنص على شروط الواقفين المتعلقة بهذا التوجيه التربوي بمثابة مناهج تربوية ، تنظم شئون التعليم ، وتضع له الشروط اللازمة ، فهناك أوقاف مخصصة للكراسي العلمية لبعض العلوم أو المذاهب الفقهية ، بلغت في مسجد واحد كجامع القرويين بفاس ثمانية عشر كرسياً ( أبو زيد ، 2004 : 329 ) . ويعتبر الوقف دعامة للتكامل الاجتماعي ، ووسيلة من وسائل علاج مشكلة الفقر ، فقد قامت الأوقاف بدور فاعل في التنمية والتضامن الاجتماعي حيث مآلها الأخير في الغالب للفقراء والأيتام والأرامل والغرباء والمنقطعين وذوي العاهات والأطفال والمحرومين ، مما مكنهم من القيام بدورهم في بناء المجتمع ، فتعلموا وأبدعوا وأسهموا في بناء الحضارة الإسلامية . ويتضح من ذلك أن مؤسسة الوقف الإسلامي حافظت على نشر العلم والتعليم بين طبقات المجتمع بكل فئاته ، كما شدت من أزر المجتمع وتماسكه البنيوي ، وساعدت في تنمية موارد الدولة الإسلامية ، وخصوصاً البشرية منها بتخريج كوادر مؤهلة ، تملأ الوظائف الشاغرة في الدولة من خلال مؤسسات وقفية رائدة ، مثلت قلعات شامخة على مدار التاريخ الإنساني ، شارك فيها الخلفاء والأمراء والولاة والأغنياء ، وتطور هذا المرفق من خلال التقرب إلى الله ، حتى بلغ شأواً عظيماً وقدم خدمات جليلة للمؤسسات الأخرى ، ما كان لها أن تبلغ ما بلغت لولا هذه المؤسسة المعطاءة . مؤسسات الإعلام والتربية : الدعوة الإسلامية : تمثل الدعوة الإسلامية أقوى أنواع الاتصال العلمي في الحضارة الإسلامية ، ولكن قبل الدخول في تفاصيل الدعوة لابد لنا من الإشارة إلى مصطلح آخر له علاقة وطيدة بالدعوة إلى الله ، وهو مفهوم الجهاد في الإسلام ، فالجهاد لغة المجاهدة من جاهد يجاهد أي بذل جهداً ( الوسع والطاقة ) ويحمل معنى المغالبة والمنافسة ( ابن منظور ، د.ت : جهد ) . أما اصطلاحاً فيعني الجهاد في سبيل الله وابتغاء مرضاته ، وسبيل الله دينه وصراطه ، ويشمل ذلك العبادات والمعاملات والأخلاق والنظم ، وسائر أحكام الشريعة الإسلامية ، بما يتضمن البذل في المجالات التالية : المال والفكر واللسان واليد ويشمل الكتابة والتأليف والترجمة والنشر ، لتعريف الناس بالحق وبذل حركة الجسد بالمشي والتنقل في الأرض والتضحية بالروح ، ومن ثم الحياة بأكملها إذا اقتضى الأمر ، يقول الله عز وجل في الآية المكية الكريمة " وجاهدهم به جهاداً كبيراً " (الفرقان ، 52) . يتضح من ذلك أن الجهاد في سبيل الله مجال واسع ، تعتبر الدعوة إلى الله جزء منه ، فما هي الدعوة الإسلامية ؟ الدعوة الإسلامية هي : مجموعة القواعد والأصول والمحاولات الفنية التي يتوسل بها إلى توصيل الإسلام للناس ، وتعليمه إياهم ، وتطبيقه في واقع الحياة ، فمن قبِل الدعوة دخل في دائرة التعليم والتطبيق ( أمة الإجابة ) ثم ينتقل منها إلى الدائرة الأخرى ، وهي التربية والتزكية ، ومن ثم التبليغ بالحكمة للآخرين ( أمة الدعوة ) وهي الدائرة الثالثة ، مصداقاً لقوله تعالى : " هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ " (الجمعة ، 2 ) . فالمقصود بالدعوة الإسلامية ما قام به المسلمون على اختلاف طبقاتهم لنشر الإسلام ، إما بعرضه على الأفراد والشعوب التي يتصلون بها تبليغاً ، أو بإعطاء القدوة الحسنة والنموذج الصالح في الحياة. فالدعوة تعمل على إصلاح كلا الجانبين ، جانب الداعين بتزكية نفوسهم ، وجانب المدعوين بالدخول في الإسلام وأخذ منهج الإصلاح ، وذلك على نطاق الفرد والجماعة ، لقوله تعالى : " وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ "( آل عمران ،104) يقول المفسرون أن مسئولية الدعوة لا تنفك عن الأفراد والجماعات لأمره عز وجل للأمة كافة بالدعوة في هذه الآية( البيانوني ، د.ت : 14 ) . بدأت الدعوة علماً وعملاً وتحمل في سبيلها الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام المشاق حتى أظهر الله دينه ، وقد كانوا يرون فيها حياتهم ومناط سعادتهم في الدنيا والآخرة ، فلا يصرفهم عنها صارف ، ولو كان أموالهم وأولادهم وأرواحهم وأتباعهم ( الكاندهلوي ،1983م :1/45) ولأجل أنها تدفع في سبيلها المهج ، ويموت دونها الأنبياء ، وأتباعهم ، أصبحت مقصد حياة المسلمين ، وأسمى غاياتهم ، ومنتهى أمانيهم ورغباتهم ، حتى يتم تبليغ الرسالة الخاتمة للعالمين ، قال تعالى : " الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ "( الحج 41 ) والدعوة إلى الله والتضحية في سبيل تبليغ دينه في السلم هي الأصل ، دون نوازع الشر والانتقام ، قال تعالى : " وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً "( الإسراء 15 ) ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : " يا علي أنفذ على رسلك ثم أنزل بساحتهم ، ثم ادعوهم إلى الإسلام فوالله لان يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم "(مسلم ، د.ت :4/1872) . وفي مقام آخر يقول " لأن تأتوني بهم مسلمين خير من أن تقتلوهم وتأتوني بنسائهم وأطفالهم " ، فإذا تعينت الوسائل السلمية فلا إكراه في الدين ولا سبيل للحرب ، أما إذا تعذرت الوسائل السليمة فتشرع الحرب في ظروف استثنائية لتمهيد الطريق لحرية الإعلام الإسلامي ، وحماية الدين ، والحوزة ؛بيد أن الحرب في الإسلام محاطة بقوانين وُمثل لا يوجد لها مثيل في العالم ، فما ذكر القتال في القرآن الكريم وإلا اتبعه بتلك القيود والضوابط ، ورغب في الخيارات التي تحض على الرحمة والعدل . " وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا " (الأنفال ، 61)، فالفتح الإسلامي ذا طابع دعوى، ينقل رسالة الإسلام الثقافية إلى أهل البلاد المفتوحة، فتتكون البيئة الصالحة للدعوة بالحسنى، فيتم الاختلاط بالمسلمين، ويرى غير المسلمين صفات الدين الحقة، عندما تسود المعاملات والأخلاق، وذلك من أميز وأعلى أساليب الدعوة إلى الله، وانجح وسائل الإعلام الإسلامي، فتبنى المساجد وتقام فيها الأعمال؛ من الدعوة القولية والتعليم والتعلم والعبادة والذكر، فتصدق دعوة الحال دعوة المقال ـ المعاملات والأخلاق-في الأسواق والطرقات في المجتمع الإسلامي الذي يشمل غير المسلمين . أما من ناحية الدعوة الرسمية في المؤسسات والدواوين ، فيتوفر النظام الإسلامي على عناصر العدالة والقيم الراقية والعلاقات الاجتماعية ، فمن آليات العمل الرامي إلى إحقاق الحق ، ووضع المثل الإسلامية موضع التنفيذ نظام الحسبة ، والتي يقول عنها ابن تيمية رحمة الله " أمر بالمعروف ظهر تركة ونهى عن المنكر ظهر فعله ، وهي جماع الدين ، وواجب كل سلم قادر ، والقدرة هنا تعني السلطان ، صاحب الولاية الصغرى منها أو الكبرى" .(ابن تيمية ، 1983 : 6). وقد ارتبطت الدعوة الإسلامية منذ فجرها وفي جميع مراحلها بالمسجد باعتباره أداة الثقافة والتربية والإعلام ، فما هو دور المسجد كمؤسسة إعلامية تربوية ؟ المسجد : أورد صاحب ( لسان العرب ) كل موضع يتعبد فيه فهو مسجد ( بفتح المعجمة وكسرها ) وهو محراب البيوت ومصلى الجماعات ، والجمع مساجد ( ابن منظور ، د.ت : مسجد ) وفي هذه التسمية يقول الزركشي : لما كان السجود أشرف أفعال الصلاة لقرب العبد من ربه اشتقت من المكان ، فقيل مسجد ولم يقولوا مركع ، أما لفظ الجامع وهو وصف للمسجد الكبير الذي تؤدى فيه الجمعة ( الزركشي ، 1397 ه : 28 ) . وقد وضع الله سبحانه وتعالى أول بيت من بيوته في الأرض ، وهو المسجد الحرام ليقام فيه دينه ويقول تعالى : " إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ... " (آل عمران ، 96 ) . قال بن عباس أول بيت للعبادة فيه البركة والهداية : وقال بن كثير : وضع للناس أي لعموم الناس لعبادتهم ونسكهم ( ابن كثير ، 1998م :1/ 499 ) . والمسجد بيت الله لأنه لا يذكر فيه غيره ، ولا ينسب إلا له ، وهو خير البقاع في الأرض ، وقد أضفى القرآن الكريم على أماكن العبادة عامة والمساجد خاصة ، قيمة تمنحها بهاءً وقدسية ً يشرع من أجلها القتال وإزهاق الأرواح ، يقول تعالى : " وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً " (الحج ، 40 ) . ولما كان المسجد المؤسسة الحضارية الأولى ، فقد بدأ مهامه من أول يوم في تنظيم المجتمع الإسلامي ، فكان أشبه بمحطة التوليد تمد أسلاكها إلى كل ناحية ، فتضئ وتزود المجتمع بكل نافع ، ذلك أن المسجد مهبط الملائكة ، ومنبع البيئة الطاهرة ، ومركز الإشعاع الروحي ، والعلمي ، والاجتماعي ، ومركز التربية ، ومعرض الفنون الجميلة ، والتشكيلية ، والمعمارية ، تجتمع فيه القلوب على الإيمان والأبدان للعبادة ( السباعي ، د.ت : 183) . كما أنه المدرسة الشعبية المفتوحة للمسلمين كافة ، على مختلف طبقاتهم وأعمارهم ، يتعلمون منها مبادئ القراءة والكتابة ، وفيها يتلقون مبادئ الأخلاق والتربية والنظام ، فضلاً عن أنه داراً للضيافة ، وإيواء الغرباء ومنبراً إعلاميا ، وساحة للتدريب على فنون القتال ، وإعداد القوة والسلاح ، لهذه الخصائص والخصال بدأ النبي صلى الله عليه وسلم أعمال دار هجرته ببناء المسجد قبل بيوت نسائه ، ويشاركه المهاجرين والأنصار رجالاً ونساءً ، حتى يكون لهم النصيب الأوفر في هداية العالمين ، حيث أن البيئة والأعمال التي قامت في هذا المسجد ، تأسس عليها كل البناء الإسلامي ، لذلك سميت (يثرب ) بالمدينة المنورة ، لتلك الأعمال التي نشرت نور الهداية ، بواسطة تضحيات الصحابة ومجاهداتهم في جميع أنحاء العالم ، فأصبحت سنة للمسلمين ، حيث لا يحلون بناحية من النواحي أو قطر من الأقطار ، وإلا يبادرون إلى تأسيس المسجد في الحضر والسفر ويقيمون تلك الأعمال ، لذلك قام الخلفاء بتشجيع الولاة والقادة على بناء المساجد في الأمصار والبلاد المفتوحة ، فقد كان عمر رضي الله عنه على سبيل المثال يكتب لقواده " أن اتخذوا مسجداً للجماعة "( البلاذرى ،1987م : 178 ) وذلك لإدراكهم أن المسجد محور حياة المسلمين ، وقد ارتبطت نشأة المجتمع الإسلامي به ارتباطاً وثيقاً ، فالفن الإسلامي الذي قام على أساس الإيمان واحترام العقيدة ، نشأ في المسجد ، واحتل المسجد المرتبة الأولى بين العمائر الإسلامية ، ومنه انتقلت العمارة إلى المدرسة ثم القصر فالبيت ، وفي المسجد نشأت أيضاً فنون أخرى مثل الزخارف والكتابات العربية والحفر على الخشب (الأربسك ) وطبقت أساليب هندسية كثيرة من المحاريب والمنارات والمآذن والأعمدة والبواكى والقباب ... الخ ( وصفي ، 1980 : 14 ) . وحول المسجد قامت المدينة الإسلامية . وبذلك يتبن لنا أن المسجد تكفل عبر حقب التاريخ الإسلامي ، بإعداد النماذج الإنسانية العالمية في الإيمان والعلم والأدب والسلوك والفن ، واسهم ومازال في بناء الإنسان الصالح الذي هو من أهم مقاصد التربية الإسلامية ، كما قام بمسئولية ثقافية موصولة العطاء ، فمن خلال خطبة الجمعة ومجالس الدرس والوعظ ، تلقى المسلمين مقادير نفيسة من الثقافة الإسلامية في علوم الدين الإسلامي بالإضافة إلى علوم اللغة والتاريخ والفلك والحساب وسائر المعارف الأخرى .( التركي ، 1989م : 31 ) . ولما كان انطلاق العلوم الشرعية من المسجد ، تخرج معظم العلماء منه ، حتى تهيأت الظروف ليصبح المسجد مدرسة وسكن للطلاب ( خانات )(*) فيما عرف بالمجمعات ، إلى أن انفصلت المدارس عن المسجد لحاجات وظروف ملحة ، فمتى ولماذا تم ذلك ؟ هذا ما سنجيب عنه في مؤسسات التعليم والثقافة . مؤسسات التعليم والثقافة : المدارس : مثل الإسلام أول حركة تعليمية ظهرت في جزيرة العرب ، كان الغرض الأول من تلك الحركة شرح وترسيخ تعاليم الدين الجديد ، فنشأت مؤسسات التعليم استجابة لحاجات ذلك المجتمع وأغراضه الخاصة ، فقد عرفت المؤسسة التربوية منذ اللحظات الأولى لنزول الوحي ، فكانت دار الأرقم بن أبي الأرقم ، أول مؤسسة تربوية ، وعندما هاجر المسلمون إلى المدينة المنورة ، صار المسجد النبوي المؤسسة التعليمة الثانية ، ثم استمرت أهمية المسجد كمعهد للتعليم على مدار العصور الإسلامية . أما المؤسسة التعليمة الثالثة فقد عرفت ( بالكَتاب ) أو ( المكتب ) من التكتيب ، أي تعليم ، الكتاب ، وورد في " اللسان " الكتَاب هو موضع تعليم الكتاب ( بن منظور ، د.ت : كتب ) . وسواء كان الكتاب لتعليم الكتابة ، أو لتعليم القرآن ، أو للجمع بينهما ، فانه غالباً ما يلحق بالمسجد ، إلا أن بعض الفقهاء كرهوا ذلك ، بحجة أن الأطفال لا يتحفظون من النجاسة ، لذلك قامت بعض الكتاتيب مستقلة عن المسجد ، وعلى ذلك فأن "الكتَاب" هو الموضع الذي يتم فيه تعليم الصبيان أينما كان مكانه وأياً كان الموضوع الذي يتعلمونه فيه ، والأسلوب المتبع في التعليم بالكتَاب هو أن يتعلم الصبيان الخط ( الكتابة ) في الأشعار والحكم والأمثال وما شابه ذلك ، تنزيها لكتاب الله تعالى من ابتذال الصبيان في المحو والإثبات (ابن جبير ، 1402ه :1/191) بينما يتعلمون القرآن الكريم عن طريق التلقين تعليماً جماعياً (القلقشندى ، د.ت : 145/335 ) . لكن من الواضح أن مناهج التعليم وأماكنه اختلفت وتعددت تبعاً للمهام المنشودة والوظائف والأهداف المرصودة لكل نوع من أنواع التعليم ، فقد وجد نوع من التعليم الابتدائي بقصور الخلفاء ، يجد فيه أبناء هذه الطبقة ، ما يؤهلهم لتحمل الأعباء التي سيضطلعون بها في المستقبل ، وغالباً ما يشترك الأب ( الخليفة أو الأمير ) في وضع المنهج التربوي الملائم لابنه ، كما تتطلب العملية التربوية الإشراف التربوي المباشر من المعلم ( المؤدب ) ، لذلك غالباً ما يخصص له جناح داخل القصر ، لإكمال هذه المهمة ( شلبي ، 1987م : 58 ) بعد أن حقق المجتمع الإسلامي مزيداً من التقدم الحضاري ، وتعددت العلوم ، وكثرت حلقات التعليم في المساجد ، مع اختلاف أساليب التدريس التي شملت المناظرات والأسئلة والمجادلات ، الأمر الذي أدى إلى احتدام النقاش ، وارتفاع الأصوات داخل المسجد ، مما يتنافى ووظيفة المسجد الأصلية ، من أداءٍ للعبادات والشعائر في سكينة ووقار . اتضحت بذلك صعوبة احتمال المسجد للوظيفتين ( العبادة والتدريس ) معاً ، فانتقل جزء كبير من العملية التعليمية من المسجد إلى المدرسة . الأمر الذي أدخل نظام التربية الإسلامية مرحلة جديدة . أشرفت الدولة في القرن الخامس الهجري ، على النظام التربوي ، فأصبحت المدرسة ، منظمة رسمية من منظمات الدولة ، ومثلت بذلك أسمى إنجازات النظام التربوي الإسلامي ، بعد أربعة قرون من النمو والتطور . ولما كانت الفترة التي سبقت قيام المدارس ، فترة تحول عقائدي ( الشيعة في مصر والعراق ) فقد نهضت هذه المؤسسة لخدمة العلوم الدينية ، حيث وجد ولاة الأمر ألا مناص من نشر العلم والعقيدة الصحيحة لتحرير العقول مما علق بها من عقائد فاسدة ، فأنشؤا المدارس التي عرفت بهم وحملت أسمائهم ، فأنشأت في بغداد المدارس ( النظامية ) نسبة إلى نظام الملك الوزير السلجوقي ، الذي تجمع المصادر أنه أول من أنشأ هذا النوع من المدارس ( 459هـ ) ( بن كثير ، 1992م : 12/152 ). أما في سوريا ، فقد عرفت المدارس ( بالنورية) نسبة إلى القائد نور الدين محمود زنكي ، وعرفت مثيلاتها في القاهرة بالمدارس (الصلاحية ) ، نسبة إلى القائد صلاح الدين يوسف بن أيوب ... وهكذا ، فقد أحصى ( شلبي ) أكثر من ستين مدرسة في مصر والشام على أيام الأيوبيين في جدول أشتمل المدارس ومؤسسيها ، و المصادر التاريخية والأدبية التي أشارت إليها (شلبي ، 1987م : 126 ). وقد فاضت المصادر التاريخية لتلك الفترة بذكر إنشاء المدارس ـ على قمة إنجازات السلاطين ـ ( فالمقدسى تـ 665هـ ) على سبيل المثال يورد لفظ المدرسة والمدارس في أكثر من ثلاثين موضعاً في كتابه الموسوم " بالروضتين في تاريخ الدولتين النورية والأيوبية " ( المقدسى ، د.ت : 1/33/92/228 ) ، أما ألنعيمي ، ( تـ 978هـ ) فقد صنف كتابه في تاريخ المدارس الذى أطلق عليه "الدارس في تاريخ المدارس " ، لا جرم فان إنشاء المدارس أصبح ظاهرة عامة ، لم تكن حكراً على طبقة الحكام فقط ، بل شملت معظم طبقات المجتمع ، من القضاة ، والأطباء ، والفقهاء ، والتجار حتى الخدم ، من الرجال والنساء فضلاً عن الأمراء والوزراء . وقد أنشئت المدارس الإسلامية الأولى على طراز المساجد ، وذلك بحكم الوظيفة المشتركة والمكانة المقدسة للعلم التي اطلع بها المسجد حيناً من الدهر ، والشئ الذي يميز المدرسة عن المسجد هو الإيوان ( قاعة الدراسة ) بالإضافة إلى مساكن الطلاب والمدرسين والمرافق التابعة لها ، وغالباً ما تلحق بالمدرسة المكتبة ( حمادة ، 1978م : 144 ) القرين الأول للمدارس في نشر العلم والثقافة والتي قامت بدور مهم في غياب توفر الكتاب و إتاحته، فما دور المكتبات في الحضارة الإسلامية ؟ المكتبات : تعتبر المكتبات على اختلاف أنواعها وتباين أنماطها ، من الركائز الأساسية والدعائم الرئيسة ، والأدوات الفنية للتربية الفكرية التي تشاد عليها صروح الحضارة الإنسانية . وبما أن الحضارة الإسلامية اتخذت من العلم والثقافة أهم وسائل تحقيق أهدافها ، وتبليغ رسالتها ، فقد بات تاريخ المكتبات تاريخاً للثقافة والحضارة الإسلامية ، يسجل حركتها ويتتبع تطورها ، ويرصد نموها وازدهارها ، فكان للمكتبات القدح المعلى في تاريخ هذه الحضارة ، حيث عملت على تقدمها عن طريق نشر العلوم والمعارف ، وتوطيد الصلات بين المسلمين في أرجاء الإمبراطورية الإسلامية ، فقطفت المكتبة ثمار الإدماج بين ثقافات الشعوب الإسلامية من جانب ، وحفظت تراث الحضارات المتعاقبة عن طريق الترجمة من الجانب الأخر (خفاجى ، 1984م :19). هنالك مجموعة من المقومات والعوامل الحضارية التي أدت إلى تكوين البنية الثقافية ، التي نشأت في رحابها المكتبات الإسلامية ومن : أهمها العقيدة الإيمانية التي تمثلت في موقف الإسلام من العلم والمعرفة . فقد اتسع ميدان التأليف عند المسلمين ليشمل جميع ميادين المعرفة ؛ إثر التطورات التي أعقبت تدوين القران و الحديث ، والتي سبقت الإشارة إليها* ، ففي هذه البيئة العلمية عرف المجتمع الإسلامي جميع أنواع المكتبات التقليدية المعروفة في الوقت الحاضر ، مثل المكتبات العامة والخاصة والمتخصصة والمدرسية والأكاديمية والجامعية ومكتبات الدولة ( البلاط ) ... الخ . ( حمادة ، 1978م : 82 ) . كما عرفت أرقى أنواع الخدمات ، فضلاً عن تنظيم مقتنياتها بصورة يسهل الرجوع إليها . ولدت المكتبات في المجتمع الإسلامي فى المسجد ؛ بحكم أنواع المعارف التي ارتبطت بالدين حينئذ ، فقد جرت العادة ولا تزالـ أن تلحق المكتبات بالمساجد وعلى هذا الأساس ، تعتبر المساجد أول أنواع المكتبات ظهوراً في الحضارة الإسلامية . ومن أميز أنواع المكتبات في المجتمع الإسلامي المكتبات الأكاديمية التي تلحق بالمعاهد العلمية ، والتي تعتبر العمود الفقري لمؤسسات التعليم والبحث العلمي ، حيث تأتي أهميتها من أنها تخدم قطاع متميز من المستفيدين ؛ - العلماء والباحثين والطلاب - يعتبرون صفوة المجتمع ، وقد أصبحت هذه المكتبات فيما بعد نواة للجامعات الإسلامية المبكرة ، وخير ما يمثلها ثلاث مكتبات اشتهرت على نطاق التاريخ والحضارة الإسلامية ، وهي: - بيت الحكمة ببغداد التي أنشأها الخليفة هارون الرشيد ( 170 – 193هـ ) ثم ازدهرت على يد ابنه المأمون ( 198 – 218هـ ) ، تبلور الهدف من إنشائها في توفير أكبر قدر من المصادر لمساعدة العلماء على الترجمة ، ومن اشهر ممن اطلعوا بإدارتها سهل بن هارون . - دار الحكمة بالقاهرة والتي أسسها الفاطميون على عهد الحاكم بأمر الله ( 395هـ ) وهي أول مكتبة إسلامية تشيد على مبنى مستقل يخصص لهذه المهمة ، وتبلور الهدف من إنشائها لجعلها مركزاً لنشر الدعوة الفاطمية . - مكتبة قرطبة أسسها الخليفة عبد الرحمن ( الناصر ) ( 300 – 350 ) وبلغت أوج عظمتها في عهد ابنة الحكم الثاني المستنصر بالله ( 350هـ - 366هـ ) الذي عمل على تشجيع العلماء وهجرتهم إلى الأندلس حتى تنافس دولة العباسين. أثبتت الدراسات المعاصرة (الفرحان ، 1990م:329) أن المكتبات الإسلامية اتبعت أنواعاً من التنظيم ( الفهرسة ، التصنيف ) أتاح لها استخدام مقتنياتها بأيسر السبل حتى " يسهل تناولها ولا يتعب مناولها " فقد انتح نظام الفهارس نوعين من الفهارس : الفهرس الكتاب وفهرس القوائم ؛ الذي يثبت على الرفوف وخزائن الكتب في شكل قوائم . عكس نظام التصنيف الفروع المختلفة لموضوعات المعرفة السائدة وقتذاك ، والتي أوفت باحتياجات ومتطلبات جمهور المستفيدين ، كما ناسبت طبيعة المقتنيات وموضوعاتها . أما من ناحية الخدمات فقد حرصت المكتبات الإسلامية عامة ، على تقديم خدماتها لأكبر عدد من العلماء وطلاب المعرفة بأرقى أنواع الخدمات المكتبية التي تؤديها المكتبات التقليدية في وقتنا الحاضر ، بما يشمل الاستعارة الداخلية والخارجية والنسخ والترجمة إلى الإرشاد القرائي والمرجعي ، وعلاوة على ذلك فقد قدمت بعض المكتبات خدمات نوعية متطورة وذلك بتقديم الدعم المادي والعيني ( الإيواء والمأكل ) فضلاً عن أدوات الكتابة (الحموي ، د.ت :2/418) كما اعتمدت المكتبات في بناء مجموعاتها على مصادر أساسية تباينت بين الشراء والنسخ والوقف والإهداء( بن خلدون ، 1967 م 1/352 ) . وقد تمخض انتشار المكتبات في الإمبراطورية الإسلامية عن ( علم السيطرة الببليوجرافية ) ابتداء من فهارس الشيوخ انتهاء بالببليوجرافيات الشاملة والتي يعبر عنها " فهرست" بن النديم أصدق تعبير ( خليفة ، 1991م : 112 ) . خلاصة القول أن المكتبات الإسلامية واكبت حركة البحث العلمي والتقدم الحضاري وأدت خدمات بارزة ، استطاعت أن تعكس بصدق صورة الحضارة الإسلامية بكل شموخها و اصالتها . وقد أثرت في ازدهار المكتبات حركة الترجمة والنشر التي انتظمت الإمبراطورية الإسلامية . مؤسسات النشر والترجمة الوراقة : اعتمد التعليم ونشر الثقافة في الجاهلية وصدر الإسلام على التلقين والنقل الشفاهي للمعلومات ، ثم استخدمت الكتابة والتدوين على الأوعية الأولية ( الحجارة العظام اللخاف الرق ... الخ ) الأمر الذي يبين مدى المشقة والتكاليف التي تحملها الأسلاف لينقلوا لنا خبراتهم ومعارفهم ، لهذا يعتبر استخدام الورق في الكتابة حدثاً عظيما ، ومرحلة مهمة بل نقطة تحول في تاريخ الحضارة الإنسانية. اتفقت معظم المصادر التاريخية أن أهل الصين أول من عرف صناعة الورق عام ( 105م ) وعندما أدرك المسلمون ، بحكم ولعهم بالعلم ، وتميزهم بالنشاط العلمي ، أن الورق أنسب الوسائل لنشر الثقافة والفكر ، دأبوا على صناعته حتى يوفروه بصورة مستدامة ، أشارت المصادر أن جماعة من صناع الورق الصيني قد اسروا في معركة ( أطلح ) على نهر طلاس أواسط أسيا ، إبَان امتداد الفتوحات الإسلامية نحو الشرق عام (751م) وقد اشتهرت مدينة سمرقند بصناعة الورق ، واحتلت مكانة بارزة في هذا الفن ، ولكن مصانعها لم تعد تفي بحاجة البلاد الإسلامية ، لهذا انتقلت صناعة الورق إلى مركز الخلافة الإسلامية بغداد ، وذلك للدور الحضاري الذي تميزت به ، لا سيما في عصر الرشيد ، وقد أنشئ أول مصنع بها على يد الوزير الفضل بن يحيى البرمكي ( 794م ) ، طرأت عدة تحسينات على هذه الصناعة في بغداد ، ومنها انتقلت إلى الشام ، مع الحاجة الملحة . قامت مصانع الورق في كل من دمشق وطرابلس وطبرية وامتدت الحركة غرباً لتشمل مراكش وصقلية والأندلس ( 950م ) ، فكان للمسلمين فضل إدخال صناعة الورق إلى أوربا ‘ شأنها فى ذلك شأن الفنون والمعارف الأخرى التي انتقلت عن طريق المسلمين . لاشك أن إتاحة الكتاب وتداوله ، أسهم بصورة فاعلة في إثراء حركة الاتصال العلمي وبلورتها ، بربط أطراف الإمبراطورية الإسلامية ذات الأعراق والسلالات والثقافات المختلفة ، مما حدي بهذا النسيج أن يتناغم ويأتلف في بوتقة الثقافة والحضارة الإسلامية( كاهن ، 1983 :222) . أفسح استخدام الورق المجال لظهور طبقة جديدة في المجتمع الإسلامي ، عنيت بالكتاب وتعاهدت نسخه ، ونشره ، حيث تفرغ لها قوم عرفوا ( بالوراقين ) فكانت حوانيتهم منتديات ثقافية ، يجتمع فيها الأدباء والكتاب والشعراء ، فضلاًَ عن الوراقين أنفسهم ، الذين لم يكونوا مجرد تجار يبتغون الربح والكسب المادي ، بقدر ما كانوا أدباء ذووا ثقافة عالية ، يسعون للذة العقلية والمتعة الفكرية . وهذه الأسواق التي تجمع بين التجارة والثقافة تذكرنا بأسواق العرب في الجاهلية ( عكاظ ومحنه ... الخ) بيد أنها مستدامة ، يأتيها الطالب أنَا شاء لينال منها حاجته. وتتكون الوراقة من مجموعة عمليات وإجراءات فنية تشمل النسخ ، والتجليد ، وبيع الكتب ، فضلاً عن أدوات ومواد الكتابة ، فقد كانت أسواق الوراقين تعج بحركة النساخ ، والمصححين ، والمجلدين والموزعين ، من العلماء والطلاب الذين كانوا يتقاضون أجوراً على المشاركة في هذه العمليات ، بصورة تجعلها تقوم بدور النشر في العصر الحديث (الحلوجي ، 2002م : 119 ) . وقد كان ازدهار الوراقة نتيجة حتمية لحركة التأليف والترجمة التي انتظمت الخلافة العباسية في عصر الرشيد ، وقد زادت من أوارها وأزكت جذوة نارها المجالس الأدبية ، والعلمية ، المعروفة بمجالس الإملاء ، التي تعقد في المساجد والمدارس والتي سبقت الإشارة إليها . اتسمت هذه المهنة بصفات ، وأخلاق ، وقوانين الدقة والضبط ، وذلك لارتباطها بالدين وعلومه ، إلى الحد الذي تعاملت فيه بوعي تام مع حقوق المؤلف ، فقد كان الوراقون يسعون إلى المؤلفين ليحصلون منهم على ما يطلق عليه اليوم ( حقوق النشر ) ليعرضوا ذلك العمل على العلماء وطلاب العلم لتحديد النسخ للتوزيع . وقد خلد لنا التاريخ أعلام هذه الصناعة ، التي يقف على رأسها محمد بن اسحق ( بن النديم ) صاحب أول موسوعة ببليوجرافية ، وأبو حيان التوحيدي ، والعبكري وياقوت الحموي ، ومالك بن دينار الذي يصف أسواق الكتب بأنها مجالس الشعراء والعلماء . أما الجاحظ فمن شدة تعلقه بهذه المهنة يذكر القلقشندى أنه " كان يكترى حوانيت الوراقين ليبيت فيها للنظر حتى كانت نهايته فيها " ، أما بن الجوزي فيصفها شعراً . ومجالس السوق مذمومة *** ومنها مجالس قد تحـتسب فلا تقربن غير سوق الجياد *** وسوق السلاح وسوق الكتب فها تيك آلة أهــل الوغى *** وهاتيك آلـة أهــل الأدب وقد مثل القرنين الثالث والرابع الهجريين صورة مضيئة لما وصلت إليه حركة الفكر والاتصال العلمي ، بفضل هذه الصناعة ، التي أدت عن طريق البحث والتنقيب في مناجم الفكر والتراث الإنساني إلى الانفتاح على علوم وثقافات الحضارات والشعوب الأخرى ، فيما عرف بحركة الترجمة والنقل . الترجمة : شملت رقعة الدولة الإسلامية ، مناطق تحتوي مراكز علمية عديدة ، تتضمن ثقافات وعلوم متباينة ، ونظراً لان الإسلام حث على العلم وأخذه من أي مكان ولظهور حاجات علمية وعملية ، فقد صاحبت ذلك التوسع حركة ترجمة ونقل شتى أنواع المعارف والعلوم ، من اللغات المختلفة إلى اللغة العربية ، ويعود الدافع الرئيس لذلك النشاط إلى الإسلام ذاته حيث يقول روزنتال " ليس يكفي الدافع النفعي النظري أو العملي ليعلل لنا ظاهرة العملية الواسعة لترجمة الكتب الأجنبية ، بل لابد من فهم موقف الإسلام ذاته من العلم ، وموقفه ذلك كان المحرك الكبير لا للحياة الدينية فحسب ، بل للحياة الإنسانية في جميع جوانبها ، وموقف الإسلام هذا هو الدافع الأكبر في السعي وراء العلوم ، وفتح الأبواب للوصول إلى المعارف الإنسانية ، ولولاه لانحصرت الترجمة في أشياء ضرورية للحياة العملية وحدها" ( محمود ، 1996م : 96 ). أما عدم اهتمام المسلمين الأوائل في عصر الرسالة والعصر الراشدي بالترجمة فيرجع إلى انشغالهم بمرحلة الفتح والبناء ، فلم يكن اتصالهم بغيرهم من الشعوب قد بلغ مرحلة الاستقرار ، الشئ الذي حدث في العصور التالية ، على الرغم من ذلك ؛ وجدت إشارات تبين أهمية هذا النوع من الاتصال وخطورته في حياة المسلمين العلمية والعملية ، فقد أرشد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى كل علم نافع يطلع المسلمين على لغات الأمم ، ويمكنهم من معرفة ما لدى غيرهم ، حتى يكونوا في مأمن من شرهم ، فقد أمر زيد بن ثابت رضي الله عنه أن يتعلم العبرية ، قال صلى الله عليه وسلم : " يا زيد تعلم كتاب يهود فإني ما أمن يهود على كتابي "(الترمذى ، د.ت :5/68) وفي حديث أخر قال عليه السلام : مخاطباً زيداً أيضاً " أني اكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا على أو ينقصوا ، فتعلم السريالية : قال : زيد فتعلمتها في سبعة عشر يوماً " (ابن حميد ، 1408هـ :1/108). وقد كانت للخبرات التي اكتسبها المسلمون من خلال تدوين القرآن والحديث ، من التمحيص والاستقصاء والدقة في تحقيق النصوص والأسانيد ، أثر كبير على الأمانة العلمية في الترجمة ( محمود ، 1996م : 72 ) . بدأت الترجمة العلمية في عهد مبكر على أيام الأمويين ، بينما شهد العصر العباسي نشاطاً ملحوظاً ، برز في شكل إنشاء المعاهد العلمية ، فأخذت حركة الترجمة طابعها المؤسسي في عهد حنين ابن اسحق ، وبالرغم من أن الخليفة المنصور ( 754 ـ 775هـ ) لم يكن هو الذي بدأ حركة الترجمة في العصر العباسي ، فالظواهر تشير إلى أنه أشعل شرارة الانطلاق بقوة وثبات ، فقد كان مولعاً بالتنجيم والفلك ، وكانت المقولة السائدة في عصره " أن الفقه للأديان ، والتنجيم للأزمان ، والطب للأبدان " ( هونكه ، 1981م : 379 ) . أما في عصر الرشيد فقد زاد الاهتمام بالعلم والعلماء حتى أصبح هواية ، وشأناً من الشؤون الرفيعة ، وبلغت حركة الترجمة قمة ازدهارها في عهد المأمون الذي جعل بيت الحكمة مثالاً لامتزاج الآداب الإسلامية بالعلوم الأجنبية بصورة تؤسس لحركة علمية وعقلية شامخة ، في ربوع الإمبراطورية الإسلامية ، شارك فيها العلماء والأطباء و التراجمة من مختلف الديانات والأجناس تحت شعار (الحرية الفكرية ). أصبح سلوك الخلفاء والأمراء في السعي وراء الكتب ، قدوة للناس - والناس على دين ملوكهم - فانتقلت عدوى دعم العلم والعلماء إلى ذوي الميسرة ، فصاروا يستجلبون الكتب والنقلة من حواضر العالم ، مثل بنوا موسى بن شاكر( ابن النديم ، 1987م:630 ( . ويعتبر حنين بن اسحق من أشهر المترجمين الذى ارتقوا بهذه المهنة ، فقد عمل على إرساء قواعد علمية ثابتة يمكن أن ينتقل العمل العلمي عن طريقها إلى الآخرين فكان أن التف حوله الأتباع الذين عملوا معه أو تابعوا سيرته من بعده فيما يسمى بمدرسة الترجمة ، فأصبحت مدرسة حنين ذات طابع مميز في الأسلوب والدقة والرصانة .. الخ.( هونكه ،1981م : 379 ) والمتتبع لتلك الحركة يلحظ أنها بدأت بالعلوم الطبية ثم اتجهت لدراسة الفلك والرياضيات لا سيما الهندسة التي ساعدت في تخطيط المدن وإنشاء القصور والعمائر الإسلامية الأخرى ، ثم اتجهوا بعدها للفلسفة والمنطق ليتمكنوا من أداء رسالتهم الثقافية ، ومن ذلك أتضح الهدف من نقل العلوم ، حيث جاء لحاجات المجتمع الخاصة الدينية منها والدنيوية ، كما برهنت الترجمة على عالمية الإسلام في الأخذ والعطاء - الحكمة ضالة المؤمن- وعدم كتمان العلم ؛ فقد احتوت الترجمة كافة العلوم من كافة الأمم ، و بمختلف اللغات اليونانية و القبطية و الرومية و الهندية و السريالية ، وتصدى لها العلماء من كافة الأجناس والأديان .